محمد جمال الدين القاسمي
137
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي : مبالغ في المغفرة ولذلك يقبل توبته . وهو تعليل لما قبله . قال أبو السعود : وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم وتأييد استقلال الجملة . وكذا في قوله عزّ وجل : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 40 ] أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن عنوان الألوهية مدار أحكام ملكوتهما . والاستفهام لتقرير العلم . والمراد به الاستشهاد بذلك على قدرته تعالى على ما سيأتي من التعذيب والمغفرة على أبلغ وجه وأتمّه . أي : ألم تعلم أن له السلطان القاهر والاستيلاء الباهر المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما وفيما فيهما يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وتقديم التعذيب لأن السياق للوعيد . فيناسب ذلك تقديم ما يليق به من الزواجر وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومنه التعذيب والمغفرة . تنبيه : ذهب الجمهور إلى أن توبة السارق تسقط عنه حدود اللّه . وأما حقّ الآدمي من القطع وردّ المال أو بدله فلا يسقط بتوبته . وقال أبو حنيفة : متى قطع ، وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها . وقد بينت السنة أنه إن عفي عنه قبل الرفع إلى الإمام ، سقط القطع . روى ابن ماجة « 1 » عن ثعلبة الأنصاري : أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ! إني سرقت جملا لبني فلان فطهّرني . فأرسل إليهم النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : إنا افتقدنا جملا لنا . فأمر به فقطعت يده . قال ثعلبة ( أحد رجال السند ) : أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول : الحمد للّه الذي طهرني منك . أردت أن تدخلي جسدي النار . وروى الإمام أحمد « 2 » عن عبد اللّه بن عمرو : أن امرأة سرقت على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا . يا رسول اللّه !
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة : الحدود ، 24 - باب السارق يعترف ، حديث 2588 . ( 2 ) أخرجه في المسند 2 / 177 والحديث رقم 6657 .